محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
، عروة ، عن عائشة قال : قلت لها قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال : قالت عائشة : لقد استيقنوا أنهم قد كذبوا . قلت : كذبوا ؟ قالت : معاذ الله ، لم تكن الرسل تظن يوما ، إنما هم أتباع الرسل لما استأخر عنهم الوحي واشتد عليهم البلاء ظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ؛ جاءَهُمْ نَصْرُنا حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : حتى إذا استيأس الرجل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم ، وظنت الرسل أن من قد آمن من قومهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك فهذا ما روي في ذلك عن عائشة ، غير أنها كانت تقرأ : " كذبوا " بالتشديد وضم الكاف ، بمعنى ما ذكرنا عنها ، من أن الرسل ظنت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم ، فارتدوا عن دينهم ، استبطاء منهم للنصر . وقد بينا أن الذي نختار من القراءة في ذلك والتأويل غيره في هذا الحرف خاصة . وقال آخرون ممن قرأ قوله : " كذبوا " بضم الكاف وتشديد الذال ، معنى ذلك : حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدقوهم ، وظنت الرسل : بمعنى واستيقنت أنهم قد كذبهم أممهم جاءت الرسل نصرتنا ؛ وقالوا : الظن في هذا بمعنى العلم ، من قول الشاعر : فظنوا بألفي فارس متلبب * سراتهم في الفارسي المسرد حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، وهو قول قتادة : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من إيمان قومهم ، " وظنوا أنهم قد كذبوا " : أي استيقنوا أنه لا خير عند قومهم ، ولا إيمان ، جاءهم نصرنا حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ قال : من قومهم " وظنوا إنهم قد كذبوا " قال : وعلموا أنهم قد كذبوا ، جاءَهُمْ نَصْرُنا وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قراء المدينة والبصرة والشام ، أعني بتشديد الذال من " كذبوا " وضم كافها . وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف خلاف لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة ، لأنه لم يوجه الظن في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين ، مع أن الظن إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة ، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن ، لا تكاد تقول : أظنني حيا وأظنني إنسانا ، بمعنى : أعلمني إنسانا وأعلمني حيا . والرسل الذين كذبتهم أممهم ، لا شك أنها كانت لأممها شاهدة ولتكذيبها إياها منها سامعة ، فيقال فيها : ظنت بأممها أنها كذبتها . وروي عن مجاهد في ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم وتأويل خلاف تأويلهم وقراءة غير قراءة جميعهم ، وهو أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ : " وظنوا أنهم قد كذبوا " بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، أنه قراها : " كذبوا " بفتح الكاف بالتخفيف . وكان يتأوله كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : استيأس الرجل أن تعذب قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، قال : جاء الرسل نصرنا . قال مجاهد : قال في المؤمن : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال : قولهم نحن أعلم منهم ، ولن نعذب . وقوله :